السبت، 6 أغسطس، 2011

ثمانية دروس لليسار من الثورة الإيرانية .. مقال هام من ايران

مقال مهم اتكعبلت فيه أثناء جوجلتى اليومية ، وما أكثر الدروس التى نحن بحاجة لتعملها من ايران وتركيا وأندونيسيا وجورجيا وأوكرانيا والبرازيل وغيرها من الدول التى سبقتنا وتشابه ظروفنا !



ثمانية دروس لليسار من الثورة الإيرانية


October 29, 2009 — iraqibeacon


مهدي كيا، ترجمة: مريم النقر


ملأت الثورة الإيرانية الطريق السياسي بالعديد من العقبات لتنهي جميع أشكال اليسار في إيران، و نجحت بالفعل في إنهاء عدد كبيرمنها فلم تنج إلا الفصائل القوية فقط. ففي أوائل السبعينيات استطاعت أساليب القمع الوحشية الخاصة بنظام الشاه أن تحطم اليسار الثوري بشكل تام تقريبا، فحتى الذين نجوا من الإعدام واجهوا مصيرهم في غياهب السجون. و حين فتحت الأمواج الثورية بوابات السجن عام 1978 كان اليسار ضئيلا مهشما ومعزولا عن الأحداث الاجتماعية طوال الجزء الأكبر من العقد. لكن فجأة وفي السنتين اللاحقتين وجد اليسار نفسه بؤرة اهتمام جميع الذين استطاعوا التنبؤ بالشرك الذى يعده الملالي لجميع شعارات الديمقراطية الخاصة بالجماهير الثورية. فبين ليلة وضحاها انتفخت هذه المنظمات الصغيرة بمئات الألوف من المؤيدين الجدد.ه


توافدت أعداد غفيرة من العمال والطلبة والفلاحون وموظفو الدولة الذين تمكنوا من السيطرة على مصانعهم أو مكاتبهم أو جامعتهم على مقرات اليسار يريدون التوجيهات الخاصة بالخطوة القادمة. كما أسس اليسار إدارة خاصة لتولي شئون المحافظات الكردية والتركمانية واستولى على أراضي من المزارع الصناعية وملاك الأرض الغائبين. كذلك مثل اليسار قوة كبيرة يحسب لها في الجامعات، وحصل مرشحوه على مئات الألوف من أصوات المدن الكبرى في انتخابات المجلس الأول، وهيمن العمال ذوو الميول اليسارية على الكثير من مجالس الشورى بالمصانع (1). كان اليسار- مع منظمة مجاهدي خلق(مجاهدي الشعب) (2)- لاعبا أساسيا في المشهد السياسي الإيراني خلال السنتين التاليتين لنجاح الثورة. و تطلع لهما جميع من أراد الحفاظ على المكاسب الديمقراطية للثورة وزيادتها من أجل حمايتهم من سحب الإسلام المتعصب المنذرة وبلطجية حزب الجمهورية الإسلامية.ه


مع كل ذلك، تمت تصفية اليسارومعه المجاهدين من الساحة السياسية بحلول منتصف عام 1981 . بلا شك لعب القمع الوحشي دورا أساسيا في ذلك, حيث تم إعدام عشرات الآلاف وسجن مئات الألوف. ولكن إلقاء كل اللوم على القمع فقط ما هو إلا تجنب لسؤال : لماذا تمت مفاجأة اليسار على هذا النحو وفي غفلة شديدة منه؟


الاجابة هى إما أن اليسار- الغارق في أيديولوجية مشبعة بالشعبوية – لم ير العاصفة أو أنه جرد نفسه من وسائل مواجهتها. سيكون من الحمق أن ننظر للماضي ونحاول التنبؤ بأثر رجعي بالتأثيرات النسبية التي سببها الإرهاب من الخارج وعدم الفهم من الداخل في انهيار اليسار. لعبت الأخطاء الداخلية دورا كبيرا بالفعل، لكن في حين أنه لايمكن فعل شيء محدد حيال إرهاب الدولة، فإن تجنب الأخطاء في أيدينا.ه


تحمل الدروس التي تعلمها بعض اليساريين الإيرانيين معاني ودلالات مهمة تلقى ضوء على ما يتكشف من أحداث ليس على الساحة الإيرانية اليوم فحسب ولكنها مهمة ايضا لليسار في العالم كله، حيث لا يزال العديد من أطياف اليسار داخل وخارج إيران غافلا هذه الدروس. في العدد الأخير من النشرة الإيرانية Iranian Bulletin يشير محمد رضا شلقونى لبعض أهم النقاط في هذا الصدد(3)، وهذا المقال محاولة إضافية لتلخيص بعض الدروس الواضحة.ه


في أن تكون المقاومة الرجعية ضد الإمبريالية


الدرس الأول: قد يكون النظام ضد الإمبريالية ورجعيا في نفس الوقت


أطاحت الثورة بواحد من أكثرحلفاء الإمبريالية الموثوق بهم وأحد أهم شرطييها فى منطقة الخليج والشرق الأوسط. و رغم أن نجاح الثورة المضادة تحقق بفعل تخطيط الحكومات الغربية فقد أفسدت تلك الثورة المضادة التي ركبت أمواج الثورة الحقيقية لعبة البازل الإمبريالية المرتبة بعناية في المنطقة. فقد فقد الغرب وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية حليف قريب واحتاج الأمر لعقد آخر من الزمان وحربين لإعادة المنطقة للهيمنة الامريكية. كما أن الكتلة السوفيتية كانت منتشية لما يحدث بشكل واضح حيث أن الثورة الإيرانية كسرت سلسلة الدول “المحتوية” التي تحيط بالكتلة السوفيتية عند أكثر حلقاتها أهمية وحرجا. فمثلا ساند حزب توده الشيوعى(4)-و الذي ينظر إليه دائما على أنه ميكروفون لوزارة خارجية الاتحاد السوفيتي- الخوميني منذ أيام الثورة الأولى. و لأن حزب توده يتمتع بشعبية ضئيلة على الأرض فقد احتاج لكسب أكبر منظمة يسارية في إيران- منظمة فدائيي خلق ” فدائيي الشعب” (5) لتفعيل سياساته. و لكن فدائيي خلق التي كان نشاطها قد اتسع ليشمل جميع أنحاء البلاد كانت تعاني من الشلل النظري . ففي الجهاز الفكري اليساري “الرجعية” و”الثورة” ضدان ينطوي جمعهما معا على تناقض مطلق. وطبقا للشعبوية المتأصلة بعمق في فدائيي خلق ، فإن النظام الذي ينتج عن ثورة شعبية أسقطت ديكتاتورية ملكية وتعارضه جميع القوى الإمبريالية لابد أن يكون تقدميا. لكن عيون الفدائيين أخبرته شيئا مختلفا.ه


تمت تنحية أي شكوك متبقية جانبا عندما أتم حكام الجمهورية الإسلامية خطابهم ضد الإمبريالية بتمثيلية احتلال السفارة الأمريكية. تلك الحادثة و الغزو العراقي لإيران قسما اليسار في المنتصف تماما. واستغل توده السلطة المعنوية للاحزاب الشقيقة في كسر إرادة منظمة فدائيى خلق. ساعد في ذلك أيضا أن اليسار في العالم كله وبجميع أطيافه –ماعدا فصيل صغير- احتفى بالثورة الإيرانية وتشاور بشأن تقديم الدعم للنظام الجديد ضد- الثوري الذي هزم الثورة. وانقسم فدائيى خلق إلى أغلبية تدعم حزب توده والخوميني، وأقلية تتغذى عليها آلة القمع الخومينية.ه


الجدل النظري حول طبيعة الجمهورية الإسلامية ركز على الطبيعة الطبقية للنظام الحاكم. هل هو نظام ينتمي للبرجوازية الصغيرة أم للبرجوازية أم “لبرجوازية صغيرة ميسورة”؟ معسكر توده ذهب للخيار الأول الذي كان من المفترض أن يأخذ البلاد للاشتراكية عبر “الطريق اللارأسمالي للاشتراكية”. فالنظام الذي ينتمي للبرجوازية الصغيرة تقدمي بالضرورة!ه


ترك الأمر لمنظمة العمال الثوريين الإيرانية ” انشقاق صغير عن فدائيي خلق ” لتشير –مع حفنة من الآخرين- إلى حقيقة واضحة يمكن رصدها مفادها أن النظام الجديد، وبغض النظر عن مضمونه الطبقي، رجعي في ممارساته وسياساته اليومية، فهو يقمع الطبقة العاملة ويدمر مجالس الشورى المستقلة كما أنه يسحب المكاسب الديمقراطية التي حققتها الثورة بشكل منهجي و كان واضحا جدا أن الطبقة الحاكمة الجديدة من رجال الدين الشيعة تحمي نمط الإنتاج الرأسمالي من الهجوم القادم من أسفل.ه


بدا وكأن اليساركان غافلا عن النصف الثاني من الشعار الأساسي للثورة: “الاستقلال، الحرية، الجمهورية الإسلامية”. شارك جزء كبير ومهم من اليسار الجماهير الثورية وهمها الكارثي وهو أن “الاستقلال” يتدفق عبر “الجمهورية الإسلامية”. بينما الحريات كانت في طريقها للتعطيل التام.ه


أهمية الديمقراطية


الدرس الثاني: الدفاع عن الحريات الديمقراطية غير المشروطة – حتى حريات الخصوم – مهمة محورية لليسارفي جميع الأزمنة


بني اليسار الشعبوي سورا عاليا بين النضال من أجل الديمقراطية والكفاح ضد الإمبريالية، حيث تم إخضاع الأول لصالح الثاني واعتبر الكفاح ضد الإمبريالية أولوية. وعموما أجاد ” آية الله المناوئ للإمبريالية” فعل ذلك جيدا فأصبحت المعركة من أجل الحريات في الشوارع والجامعات والمصانع والتي فى جوهرها معركة ضد الحكام الإسلاميين- تلهي، بل وتعوق، الكفاح ضد الإمبريالية و أصبح علينا أن نضحي بكل شيء في سبيل كفاح مزيف ضد الإمبريالية يديره في القمة الحكام الإسلاميون لإيران.ه


لكن حتى هؤلاء الذين لم يقتنعوا بهذه الفرضية خففوا من حدة النضال الديمقراطي. لذا أدار اليسار رأسه للجهة الأخرى عندما خرجت النساء بالآلاف في يوم المراه العالمى الاول بعد الثورة (مارس 1979) في مسيرة ضد اشتراط ارتداء الحجاب لدخول المكاتب الحكومية : فبعد كل شيء ما هؤلاء بالنسبة لهم إلا نساء “معطرات” مدللات من الضواحي الأغنى . كذلك صمت اليسار مرة أخرى بعد أشهر قليلة عندما نهب مجموعة من البلطجية مكاتب صحيفة أيانديجان اليومية، فهي صحيفة “ليبرالية” وبالتالي لا علاقة لنا بها. في خلال سنة تم كذلك إغلاق صحف تقدمية مثل بختار إيمروز، وفي النهاية تمت تصفية صحافة اليسار السرية ودخل المشهد الصحفي الإيراني في ظلام كامل لخمس عشرة سنة.ه


اعتبر اليسار أن الديمقراطية السياسية تنتمي للبرجوازية، و عصر “الثورات البرجوازية” في أحسن الأحوال ما هو إلا سلم يقود للاشتراكية. الحريات الشخصية مثل حرية التعبير مطالب “ليبرالية” يمكن تجاهلها أو تحملها –في الوقت الحاضر- ولكنها ليست على رأس أجندة الأولويات، وبالفعل استعمل لفظ “ليبرالي” للاستهجان، كأنه سُبة. أما الملالي “المناهضون للإمبريالية” فكانوا أفضل كثيرا بالنسبة لليسار، وهكذا حفر اليسار قبره بيده جراء ذلك التصنيف.ه


الديمقراطية والحريات السياسية، بما فيها الحريات الفردية، هي الهواء الذي يتنفسه اليسار، وضرورة وجود هذا الهواء أثناء بناء الاشتراكية تماثل ضرورته أثناء النضال في سبيلها. هذا الجدل ليس مرتبطا بإيران فقط، فاليسار في كل من أوروبا و الشرق الأوسط يجب أن ينتبه جيدا له. لولا كفاح الطبقة العاملة ما كان من الممكن تحقيق أو الإبقاء على الكثير من الحريات التي يطلق عليها “برجوازية”. فالحقوق الديمقراطية هي نتاج ثورات البروليتاريا أيضا، لذلك فهي تمثل دعامات المجتمع الاشتراكي المستقبلي التي يجب توسيعها وتعميق جذورها لا طرحها جانبا. حرية التجمع أو الاتحاد بين المنظمات المختلفة عنصر مهم جدا في هذه الحريات، وهنا أيضا كان سجل اليسار الإيراني كارثيا.ه


التجمعات غير الأيديولوجية


الدرس الثالث: يجب التخلي عن “أدلجة” الاتحادات والتجمعات الجماهيرية الشعبية


مساعدة الجماهير على التنظيم الذاتي كان دوما النشاط الذي يشعر اليساريون بقدرتهم على ممارسته بأكير قدر من التمكن والحرية. ولكنهم فهموا أن هذه المهمة تعني إقامة منظمات شعبية كواجهات لمنظماتهم أو مجموعاتهم اليسارية. كانت هذه التجمعات الشعبية بمثابة ساحات تجنيد ووسائط لتحقيق “برنامج الحزب” على أرض الواقع. فمثلا أقيمت منظمات للمرأة كل منها يتبنى هذه النسخة أو تلك من الماركسية، وتم تدعيم الجامعات بتنظيمات متنوعة من الطلاب. كذلك طبق اليسار نظرته المتمركزة حول أدلجة التجمعات الشعبية على اتحادات العمال أيضا حين استطاعوا تنظيمها، مما تسبب بالفعل في انقسام مجالس “الشورى” العمالية حول الخطوط الأيديولوجية.ه


لذلك كانت منظمات المرأة منقسمة بالفعل عندما حل الدور عليها لتواجه سيف النظام. وعندما قرر الملالي التخلص من ستين ألف معلم لم يواجههم تنظيم موحد للمعلمين بل العديد من التنظيمات التي لم تستطع المقاومة تقريبا. وعندما هاجم مجموعة من البلطجية، بمساندة قوات الأمن وترحيب الرئيس المؤقت أبو الحسن بني صدر(6) الجامعات الإيرانية وأغلقوها كجزء من “الثورة الإسلامية الثقافية” في إبريل 1980 (7) كانت المنظمات الممثلة للطلاب كثيرة يماثل عددها عدد التنظيمات السياسية الموجودة على الساحة تقريبا. وبعد خوض معركة باسلة ودموية استسلمت هذه المنظمات بعدد كبير من الموتى والجرحى.ه


لليسار عموما تقليد يطبقه في كل مكان يقضي بإقامة منظمات تعمل كواجهات له، على أن تكون هذه الواجهات ملحقة وتابعة للتنظيم الأم. وقد ورث اليسار الإيراني هذا التقليد، وبالتالي عندما حان الوقت الذي يجب فيه أن تدافع هذه المنظمات عن الجماعات الاجتماعية التي تتحدث باسمها وتمثلها وجد اليساريون أنفسهم محاصرين في معركة أيديولوجية مع زملائهم لتحديد الطريق الصحيح أيديولوجيا. وانقسمت المجموعات الاجتماعية بين مؤيدين لتأويل أو آخر للماركسية.ه


النساء “الماويات” وقفن في مواجهة النساء “التروتسكيات”. وفي إيران تكتلت النساء المؤيدات لتفسير معين للإسلام ضد النساء المدافعات عن نسخة معينة للماركسية، ولم تتضامن النساء معا كنساء في أي مكان. حتى العلمانيات لم يتضامنّ ضد انتهاكات الدولة الإسلامية. وعندما نادت منظمات المرأة بالوحدة فهم ضمنيا أنها دعوة لخضوع تنظيم لشروط تنظيم آخر.ه


اتحادات العمال و المنظمات الجماهيرية الشعبية بطبيعتها يجب أن تظل فوق الأيديولوجيا، لأنها توحد الناس على أساس مطالبهم الديمقراطية المباشرة والعاجلة. يجب أن يتجمع الناس حول ما يوحدهم – مثل الحرفة، المهنة، النوع، الإثنية، الميول الجنسية- و ليس ما يفرقهم- مثل الأيديولوجيا. يجب أن تعمل التنظيمات السياسية من داخل هذه البنيات ، تكوّن المطالب وتطالب بالتغيير في السياسات والاتجاهات في حدود سبب وجود المنظمة الجماهيرية. يجب تجنب المواضيع الأيديولوجية –سواء كانت سياسية أو دينية أو ثقافية- إلا إذا كان لها تأثير أو صلة مباشرة بغرض المنظمة.ه


الحريات المدنية وحق تكوين اتحادات عمالية يمكن أن تتعارض- و كثيرا ما ستتعارض- مع مصالح الدولة والأحزاب السياسية. لذلك فإن استقلال هذه المؤسسات الخاصة بالمجتمع المدني عن الدولة والأحزاب السياسية حيوي ومهم جدا إذا كان للنضال من أجل الحقوق الديمقراطية معنى ملموس. وهذا ينطبق على أوضاع مابعد الثورة كما ينطبق على ما قبلها. من المؤكد أن هناك الكثير مما يجب عمله لفك العلاقة بين الحزب والمنظمة الجماهيرية الشعبية، والعلاقة بين الاثنين وبين الدولة.ه


عكس اليسار الإيراني بمأساوية صورة الحكام الإسلاميين الذين قسموا جميع مؤسسات المجتمع المدني. واستمر الملالي في دمج المجتمع المدني في الدولة.ه


دولة غير أيديولوجية


الدرس الرابع: النضال من أجل دولة غير أيديولوجية لا ينفصل عن النضال من أجل الاشتراكية


جرب اليسار الإيراني كارثة الدولة الأيديولوجية ودولة الحزب مرتين: الأولى في الجمهورية الإسلامية ومرة أخرى مع انهيار الكتلة السوفيتية. ألغى النظام الإسلامي المجتمع المدني وذلك بالتدمير الفعلي لما لا يعجبه ودمج الباقي في النظام نفسه. تمت “أسلمة” جميع المؤسسات والمنظمات، ولم يسمح لأي منها بالوجود خارج إطار الدولة. أصبحت مجالس الشورى في أماكن العمل و الجمعيات الإسلامية ومنظمات المرأة وآلاف المؤسسات الثقافية والخيرية والإقتصادية جميعا جزء من جهاز الدولة.ه


ما إن حقق القمع الدموي – من 1981 حتى 83- هذا الهدف حتى وجدت الدولة “المتجانسة” أيديولوجيا نفسها تنقسم حول الخطوط الأيديولوجية، وكانت الانقسامات هذه المرة حول هذا أو ذاك التأويل للأحكام الإسلامية. كانت الدولة الأيديولوجية تتصرف طبقا لطبيعتها، حيث يستمد هذا النوع من الدول تعريفه من معتقداته. فهي دول حصرية تستثني جميع من لا يعتنق نفس المعتقدات، كما أنها تنزع للتقسيم وهشة لأنها تقسم “الذات” بواسطة التفسيرات المختلفة للأيديولوجية- فالجدل الخاص “بالذات/ واللا ذات” مازال قائما حتى اليوم. و تكمن المفارقة في أن الدولة الأيديولوجية دولة جامعة للكل: فعن طريق وضع عائق أيديولوجي للمشاركة الإجتماعية، تتمدد الدولة لتشمل كل المجتمع في هياج إظهارالأيديولوجية الزائف. فعلى من يريد الالتحاق بالجامعة في إيران أن يدخل امتحان ديني ويحفظه كالببغاوات، بالضبط كما ادعى كل من أراد وظيفة في الاتحاد السوفيتي أنه ماركسي والتحق بالحزب. وبذلك يتم التأسيس للفساد وانعدام الأمانة ويغمران جهاز الدولة كله.ه


فساد المجتمع نتيجة أكثر مأساوية لتسييس الدولة. المخاطرليست فقط أن يصبح الغش صحيا وطبيعيا – فيكذب الأطفال بصفاقة عندما يسألهم مدرسوهم هل يمتلكون جهاز فيديو ]ممنوع[ في المنزل. فالتسييس الكلي للمجتمع – بما في ذلك تسييس الثقافة – له تأثيران مدمران على صحة المجتمع على المدى الطويل.ه


أولا ينقل هذا التسييس المعركة الطبقية -بين من في الأعلى ومن في الأسفل – إلى الساحة الثقافية. فيصبح الاستماع لموسيقى الجاز في الاتحاد السوفيتي السابق أو الاستماع لموسيقى البوب في إيران اليوم أو امتلاك دش أو كشف خصلات قليلة من الشعر شكلا من التحدي للدولة. لكن الإشكالية أن ذلك يشظى المجتمع لأن المعارضة تصبح فعلا فرديا أو في أفضل حالاتها فعل تقوم بها جماعة صغيرة كالأسرة أو الأصدقاء.ه


ثانيا من الممكن إنهاك المجتمع تماما بتشبعه وإرهاقه في صراع سياسي دائم يصل حتى أعماق المنزل. فالنتيجة المحتملة – والمنطوية على مفارقة – للتسييس التام للدولة الأيديولوجية هي مجتمع منهك غير مسيّس، وقد رأينا هذا يحدث في الكتلة السوفيتية وإلى حد ما بين الشباب في إيران اليوم. أما بالنسبة للضرر طويل المدى على المجتمع والتماسك الإجتماعي فيمكن فقط التكهن به. تجربة الدول الأيديولوجية في القرن العشرين كانت واضحة للغاية: فهي تدمر جهاز الدولة وتسبب تآكل المجتمع.ه


هناك الكثير مما يجب عمله لفهم العلاقات بين الأيديولوجية مجسدة في الحزب وحكم الطبقة (الطبقات) الاجتماعية مجسدا في الدولة والحزب و الطبقة التي يزعم تمثيلها ومثلث الحزب (الأحزاب) و الدولة والمنظمات الجماهيرية الشعبية.ه


اليسار و الطبقة العاملة


الدرس الخامس: التزام اليسار نحو الطبقة العاملة يجب أن يذهب لأبعد من الكلام المرسل والوعود الشفوية


يكتسب اليسار هويته في كل مكان من خلال تماهيه مع الطبقة العاملة باعتبارها “الطبقة التاريخية” التي سيتحرر المجتمع كله من خلال تحريرها لنفسها. ولكن تسرب الأفكار الشعبوية لنظرة اليسار للعالم كان معناه أن هذا الولاء عادة لم يتعد كونه كلاما مرسلا، ومرة بعد أخرى تحولت الطبقة العاملة لتابع للطبقات الأخرى، خاصة في الدول التي تتسم بطبقة عاملة صغيرة أو تلك التي لم تقطع تماما جذورها من القرية. وكانت إيران مثالا جيدا.ه


لم يكن لدى أطياف حزب توده شك في أن الطبقة العاملة يجب أن تدعم الإمام المناهض للإمبريالية وحكومته. كان يجب أن يكون الإنتاج في خدمة حكومة “مناهضة للإمبريالية” على الطريق اللارأسمالي للإشتراكية يدا بيد مع البروليتاريا العالمية، التي تم تحويلها مثاليا إلى كيان مجرد هو الكتلة الإشتراكية.ه


قضى اليسار الثوري – الذي تشرب بعمق الشعبوية الكامنة في تراث توده (4) – سنوات يجادل لماذا لا يجب عليه أن ينظم الطبقة العاملة حتى عندما كان يرفض بقوة الطريق الإصلاحي لحزب توده في الستينيات. حتى عندما شهد اليسار الثوري الدور المركزي الذي لعبته الطبقة العاملة في إسقاط الشاه (8)، استمر اليسار في تنظيم كل الطبقات تقريبا ما عدا الطبقة التي يستمد تعريفه منها. وعندما جندوا العمال كان ذلك لتنظيمهم خارج المصانع- أي ليقوموا ببيع الصحف و التظاهر و التكلم في زوايا الشوارع. واعتبر أن الاعتماد بشكل أكبر على اتحادات العمال اليسارية أو النضال من أجل مطالب مباشرة للطبقة العاملة أمرا بعيدا جدا عن الاتجاه الإصلاحي .ه


للثورة الإسلامية أكثر من درس هنا: تسببت في اندلاع الثورة أزمة اجتماعية- سياسية- اقتصادية عميقة هزت أسس النظام الملكى الذى بدا منيعا انذاك، وكانت شعارات الثورة الحرية والاستقلال. بالفعل كانت الحركة الإسلامية في الشرق الأوسط استجابة مباشرة للأزمة العميقة التي قاست منها إيران ودول أخرى في المنطقة في السبعينيات. ففي المجتمعات التي عانت من أزمة عميقة كتلك التي نتج عنها ازدياد تهميش قطاعات كبيرة من المجتمع بفعل ظاهرة تقسيم العمل العالمية ، لا يمكن تعزيز الحريات السياسية التي تم الفوز بها حديثا – حتى لو اكتسبت بطرق ثورية- بدون خطوة مماثلة نحو المساواة الاقتصادية.ه


لهذا السبب من الواضح أن استمرار الديمقراطية في إيران يتطلب أن يحصل المنتجون المباشرون على حصة في إنتاجهم. باختصار لا يمكن تعزيز ثورة بشعارات ديمقراطية في السياق الإيراني اليوم بدون خطوة ملموسة نحو دولة عمالية. ولكى تعيش الحريات الفردية يجب اتخاذ خطوات نحو الحكم الذاتي عند مواقع الانتاج.ه


دولة العمال التعددية


الدرس السادس: دولة العمال هي حكومة قوة العمل ككل


في إيران اليوم كما في معظم دول العالم تمثل الطبقة العاملة أغلبية – الطبقة العاملة التي لا يتم تعريفها على أنها البروليتاريا الصناعية فقط ولكن جميع هؤلاء الذي يساهم عملهم في إنتاج فائض القيمة ( أي كل العاملين بأجر). الدولة التي يجب أن يناضل من أجلها اليسار دولة تمارس فيها هذه الأغلبية الحكم الذي توجهه بنفسها. شكل هذه الحكومة الذاتية يمكن أن يفتح للنقاش و تم بالفعل تجربة عدد من النماذج منذ كميون باريس عام 1871.ه


ربما يكون مفهوم التعددية هو أهم درس لليسار- بما فيه تشكيلات اليسار الإيراني المتنوعة- في العقدين الأخيرين.ه


وبحسب رؤية محمد رضا شلقوني فإن الطبقة العاملة تصبح “طبقة” حقيقية فقط عن طريق المشاركة الفعالة لمجمل قوى العمل. لكن “الطبقة” العاملة – مثل “الشعب”- ليست متجانسة ويجب أن ينظر إليها ويتم فهمها من خلال مجموع أفرادها وتجمعاتها. يتحقق تماسك الطبقة عن طريق إدماج الاختلافات والانشقاقات الطبيعية بين العمال. ويتم التعبيرعن هذه الاختلافات في تعددية الأحزاب السياسية ومنظمات وجمعيات العمل. لا يحق لتيار سياسي أن يطالب بحقوق حصرية باعتباره حاملا للوعي “التاريخي” أو مفسرا للإرادة “التاريخية” للبروليتاريا.ه


لذلك يجب أن يتم فهم دولة العمال على أنها فقط: دولة قوى الإنتاج الاجتماعية التي تعمل من أجل المجتمع في مجمله. لذلك ستكون هذه الدولة تعددية. شكل هذه الدولة والعلاقة بين قواها وطبقاتها الاجتماعية مفتوح للنقاش و التجربة، فلا توجد إجابات ذهبية جاهزة الصنع.ه


حزب اليسار


 الدرس السابع: يجب أن يتم تطوير مفاهيم جديدة للحزب


التعددية داخل الطبقة العاملة تعني بشكل حتمي التعددية داخل اليسار. انقسام اليسار في إيران جعل من الضروري إيجاد نموذج للعمل معا. والأحداث الحالية تجعل الوصول لذلك ملحا أكثر. فأكبر طبقة (الطبقة العاملة) يتم دفعها للخطوط الجانبية في التطورات الخطيرة في الدولة. أحد النماذج المصممة لتوحيد التنظيمات المتباينة والعدد الكبير للشخصيات اليسارية تبناه اتحاد عمال اليسار. تتجمع المنظمات والأفراد حول مبادئ البرنامج. يحافظ كل تنظيم داخل هذه الكتلة على استقلاله و الحق في شرح برنامجه أثناء الاتحاد للعمل من أجل الأهداف المتفق عليها (9). ونحن نؤمن أن هذا النموذج والنماذج المشابهة يمكن تطبيقها في المواقف غير الإيرانية.ه


يجب لأي نموذج أن يخاطب ما يلي في نفس الوقت أولا: الحاجة للتعددية، ثانيا: ضرورة وجود إرادة مشتركة – قدرة على اتخاذ القرارات، ثالثا: ضمان الاستقلال وأن الحق في مناقشة وإثارة الآراء لصالح رؤاهم للعناصر الفردية المكونة للمجموع هو حق غير قابل للمساومة، رابعا: وجود بنية تستطيع الدمج بين النشاط العلني، الذي يلعب دورا جوهريا في تنظيم الطبقة العاملة، و العمل السري تحت الأرض الذى هو أساسي للبقاء على قيد الحياة في ظل الدولة القمعية.ه


التضامن العالمي


الدرس الثامن: يجب على اليسار العالمي أن يخلق جذور شعبية لحركة حقوق إنسان خاصة به


. بينت الثورة الإيرانية أهمية التضامن العالمي. وبعد عشرين عاما فقد العالم أحادي القطب بعضا من وسائل الضغط العالمية التي سمحت للثورات بالتنفس، حيث يتم فرض الهيمنة الامريكية المطلقة بطرق عسكرية صارخة عن طريق استعمال مؤسسات عالمية مختلفة كالأمم المتحدة وحلف الناتو والمحاكم الدولية…إلخ تحت استخدام منتقى بعناية لراية حقوق الإنسان.ه


اختطفت الإمبريالية الأمريكية شعارات اليسار لتعاقب الدول “المارقة”، لذا فنحن في حاجة لسحب البساط من تحت أقدامها. خطا اليسار الإيراني الخطوة الأولى في اقتراح بدء حملة لمحاكمة حكام النظام الإسلامي بسبب الجرائم التي ارتكبوها في حق مواطنيهم. هذه دعوى لتنظيم حركة شعبية من الجذور على مستوى العالم لوقف جرائم الدول في حق مواطنيها. حركة تماثل في طبيعتها الحركة الخضراء والحركة النسوية و الحركة النقابية العمالية ، وتهدف لتدمير شرعية الدول الإجرامية مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كما تهدف كذلك لإنهاء شرعية استغلال حقوق الإنسان بشكل انتقائي للغاية لخدمة النظام العالمى الجديد.ه


نأمل أن نحصل على دعم جميع القوى التقدمية لهذه الحملة، كما نأمل أيضا أن تتخذ خطوات مماثلة ضد الحكومات الإجرامية الأخرى. ومرة أخرى أكرر أن الملامح النظرية و العملية لهذه الحملة تحتاج للمناقشة والجدل على مستوى العالم، لذا نفتح صفحاتنا لهذا الجدل وما يتصل به.ه


وأخيرا فإن درس الجمهورية الإسلامية الإيرانية والسنوات الثمانين الأخيرة أنك لا تستطيع جر الناس ضد رغبتهم حتى ولو للجنّة.ه


هوامش:ه


ه1-مجالس الشورى : هي لجان في المصانع وأماكن العمل و الجامعات، ولها وظيفة إدارية في بعض الأماكن.ه


ه2- منظمة مجاهدى خلق ( مجاهدى الشعب ) هو تنظيم اسلامى قومى ذو نزعة يسارية شعبوية ويستلهم تراثه الايديولوجى من قيم التشيع الثورية وملاحم استشهاد الحسين وافكار المفكر الايرانى التراثى المنحى واليسارى النزعة على شريعتى . وهم حالة فريدة جدا وسط التيار الاسلامى السائد فى المنطقة وهم عمليا اقرب لجماعات لاهوت التحرير فى امريكا اللاتينية منهم الى الاشكال الاسلامية فى الدول سنية المذهب


ه3- محمد رضا شلقونى : اليسار الإيراني في عصر الانكسارات و التحول. النشرة الإيرانية 21-22. ربيع-صيف 1999.ه


ه4- حزب توده ايران : وتوده بالفارسية تعنى الجماهير وهو الحزب الشيوعى الايرانى الابرز فى القرن العشرين و يتبنى خطا سوفيتيا بامتياز وكان لاعبا مؤثرا جدا فى الحياة السياسية الايرانية ووسط الطبقة العاملة بالذات خاصة فى الاربعينات والخمسينات وتميزت وضعيتة بالحساسية بحكم تجاور ايران المباشر مع الاتحاد السوفيتى مما عرضه لقمع شديد من الشاه محمد رضا بهلوى فى منتصف الخمسينات


ه5- منظمة فدائيى خلق ( فدائيى الشعب ) . منظمة يسارية متطرفة تاسست فى اواخر ستينيات القرن العشرين حملت على حزب توده مواقفه المترددة واعلنت الكفاح المسلح فى بداية السبعينات ضد نظام الشاه وتبنت خطا سياسيا يمزج بين الماركسية التقليدية وتقاليد حرب العصابات وكان جسمهم الرئيسى من الطلبة وقد تعرضوا لتصفيات وحشية من قبل مخابرات الشاه الا انهم كانوا التنظيم الاكتر قوة وتسلحا لحظه اندلاع الثورة بالرغم من انشقاقات كثيرة طالت قوامهم التنظيمى


ه6- ابو الحسن بنى صدر هو اول رئيس للجمهورية فى ايران وانتخب مباشرة من الجماهير وكان ذو ينمى لتيار الليبرالى لكنه كان متحالفا مع الخمينى وحائزا على رضاه الا انه وبفعل عرقلة المجموعات الاسلامية المتشددة لم يستطع مباشرة سلطاته مما ادى للصدام معهم وانتهى الامر بهروبة من البلاد بعد ان توقف الخمينى عن دعمة


ه7- تم اغلاق معظم الجامعات فى ايران فى اعقاب تصفية الحركة الطلابية اليسارية بالاساس لمده 4 سنوات وحتى عام 1984 !!!ه


ه8- بدا أن مظاهرات الشارع الحاشدة وصلت إلى حالة من الجمود والتوقف، عندما بدأ إضراب جماهيري عام بتحريض من الجامعات ووصل لذروته بإضراب عمال البترول الذي سبب حالة من الشلل في البلاد. كان هذا ما كسر أخيرا ظهر نظام الشاه. انظر آسف بايات (السابق).ه


ه9-يدعو اتحاد عمال اليسارالمنظمات والأفراد ليشتركوا فيه على أساس البرنامج التالي:ه


من أجل النضال لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، ومن أجل إسقاط الرأسمالية وتكوين دولة عمالية تعتمد على منظمات العمال و الكادحين التي تحكم نفسها، ومن أجل إقامة البديل الإشتراكي القادر على توسيع الديمقراطية في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن أجل تأسيس ملكية إجتماعية تعتمد على استقلال المنتجين وحكمهم لأنفسهم، وللدفاع عن الحريات السياسية غير المشروطة كجزء لا يتجزأ من النضال من أجل الإشتراكية، ومن أجل تنظيم نضالات العمال على أساس المواجهات بين رأس المال والعمل.ه


http://www.etehadchap.com


ليست هناك تعليقات: